العدالة البيئية والاستدامة في المنطقة العربية: دليل شامل لدمج العدالة في مواجهة تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي
تُعدّ العدالة البيئية مفهوماً محورياً في النقاشات المعاصرة حول الاستدامة، إذ تتجاوز مجرد حماية الطبيعة إلى معالجة التفاوتات الاجتماعية في توزيع الأعباء والمنافع البيئية.
يشير هذا المفهوم إلى التوزيع العادل للمخاطر البيئية مثل التلوث والكوارث المناخية، وإلى ضمان المشاركة الفعلية للمجتمعات المتضررة في صنع القرارات التي تمسّ بيئتها.
في ظل الضغوط العالمية المتصاعدة كتغيّر المناخ وفقدان التنوع البيولوجي، يصبح دمج العدالة البيئية في جهود الاستدامة ضرورة أخلاقية وعملية لضمان عدم ترك الفئات الأكثر هشاشة تواجه العواقب بمفردها (البوعزاوي، 2025، ص. 5).
ما هي العدالة البيئية؟ الإطار المفاهيمي والأبعاد الثلاثة
تُبنى العدالة البيئية على ثلاثة أبعاد مترابطة: العدالة التوزيعية، التي تهتم بالتوزيع العادل للتكاليف والفوائد البيئية؛ والعدالة الإجرائية، التي تضمن مشاركة جميع الأطراف في القرارات البيئية؛ والعدالة الاعترافية، التي تعترف بحقوق المجتمعات المحلية والشعوب الأصلية في أراضيها ومعارفها.
في سياق تغيّر المناخ، تظهر العدالة التوزيعية بوضوح في أن الدول الصناعية هي المسؤولة تاريخياً عن النسبة الأكبر من انبعاثات غازات الدفيئة، بينما تتحمل الدول النامية والجزر الصغيرة العواقب الأشد، مع قدرة أقل على التكيف (البوعزاوي، 2025، ص. 7).
- العدالة التوزيعية: التوزيع العادل للتكاليف والفوائد البيئية.
- العدالة الإجرائية: مشاركة جميع الأطراف في القرارات البيئية.
- العدالة الاعترافية: الاعتراف بحقوق المجتمعات المحلية والشعوب الأصلية في أراضيها ومعارفها.
واقع البيئة والعدالة الاجتماعية في المنطقة العربية
اليمن: كيف يفاقم تغيّر المناخ معاناة المهمّشين؟
تُظهر الدراسات أن المنطقة العربية تواجه تحديات بيئية ومناخية غير مسبوقة، تتقاطع مع هشاشة اجتماعية واقتصادية طويلة الأمد. ففي اليمن، أدّت الصدمات المناخية إلى تفاقم الظلم البنيوي ضد فئة «المهمّشين» الذين يعانون من التمييز الهيكلي والإقصاء الاجتماعي.
إذ يعيشون في مستوطنات غير نظامية على أطراف المدن، مما يجعلهم الأكثر عرضة للفيضانات وموجات الحرارة الشديدة.
وقد تسببت الأمطار الغزيرة في أغسطس 2025 في تشريد أكثر من 100 ألف شخص، كان المهمّشون في مقدمة المتضررين (عقلان والسعيدي، 2026، ص. 2–3).
العراق: العراقيون من أصل أفريقي في البصرة وغياب العدالة البيئية
وفي العراق، يعاني العراقيون من أصل أفريقي في البصرة، الذين يُقدَّر عددهم بين 400 ألف ومليوني نسمة، من ظروف بيئية وصحية متدهورة، مع ارتفاع معدلات الفقر والأمية، وذلك بسبب الإقصاء الاجتماعي والتمييز العنصري التاريخي الذي حدّ من قدرتهم على التكيّف مع التغيّرات المناخية (مركز كارنيغي للسلام الدولي، 2026، ص. 1).
كيف ندمج العدالة البيئية في جهود الاستدامة؟ ثلاثة مستويات عملية
المستوى القانوني: تكريس مبدأ «الملوّث يدفع» وآليات الانتصاف القضائي
قدّم العراق نموذجاً إقليمياً في هذا المجال. ففي يونيو 2026، قرّر مجلس القضاء الأعلى العراقي تفعيل المادة 32 من قانون حماية وتحسين البيئة.
بما يكرّس مبدأ «الملوّث يدفع». ويهدف هذا القرار إلى «تعزيز المسؤولية المدنية عن الأضرار البيئية، وتقوية الأثر الرادع، وتوفير سبل انتصاف قضائية أوضح للمجتمعات الأكثر تضرراً من التلوث والتدهور البيئي» (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق، 2026، ص. 1).
وقد دعم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هذه الجهود من خلال إنشاء فريق عمل رسمي بين وزارة البيئة ووزارة الداخلية ومجلس القضاء الأعلى، وإعداد بروتوكول تنفيذي مشترك لإنفاذ القانون البيئي، فضلاً عن مراجعة شاملة للإطار القانوني للعدالة البيئية والمناخية في العراق (UNDP، 2024، ص. 1–2).
المستوى الإجرائي: ضمان مشاركة المجتمعات المحلية في القرارات البيئية
تتطلب العدالة الإجرائية الاعتراف بالمجتمعات المهمّشة كفاعلين في إنتاج المعرفة البيئية وليس مجرد متلقّين. وتشير الأدبيات إلى أن «عدالة البيانات البيئية» تُعدّ مفتاحاً لأساليب الحفظ الفعّالة.
وفي السياق العربي، يعني ذلك إشراك
المجتمعات المتأثرة — كالمهمّشين في اليمن، وسكان البصرة في العراق، والقبائل الأمازيغية
في المغرب — كشركاء في صنع القرار وليس كمستفيدين سلبيين.
المستوى الاعترافي: إدماج المعارف المحلية والممارسات التقليدية
تتطلب العدالة الاعترافية احترام الهويات الثقافية والمعارف البيئية التقليدية للمجتمعات المحلية. وتزخر المنطقة العربية بتقاليد عريقة في إدارة الموارد، مثل نظام «الحِمى» (المحميات) المنتشر في عدة دول عربية، والذي يشكّل «حجر الأساس لحفظ الأنواع المحلية والسلالات والمعارف والممارسات التقليدية»، وله دور أساسي في صون التنوع البيولوجي واستخدامه المستدام (Nasser، 2014، ص. 1).
ويرى باحثون أن التنفيذ العادل لاتفاقية التنوع البيولوجي يستلزم «إعادة صياغة الالتزامات التفاضلية بخطاب العدالة البيئية، بما يشمل مسارات تنموية متعددة وبديلة، مثل إنشاء اقتصادات محلية»، بدلاً من الاقتصار على نقل الأموال والتقنيات بين الدول (Leiden Journal of International Law، 2003، ص. 1).
اقرأ أيضاً الضغوط البيئية في المنطقة العربية: مقارنة بين ثلاثة مؤشرات
الخاتمة: نحو استدامة عادلة في المنطقة العربية
يتطلب تحقيق العدالة البيئية في المنطقة العربية تحوّلاً ثلاثياً:
1. على المستوى المؤسسي: تكريس مبدأ «الملوّث يدفع» في التشريعات وإنشاء آليات قضائية متخصصة، كما يحدث في العراق.
2. على المستوى الإجرائي: ضمان المشاركة الفعلية للمجتمعات المهمّشة في القرارات البيئية، وإدماج عدالة البيانات والمعرفة في ممارسات الحفظ.
3. على المستوى المعرفي: الاعتراف بالمعارف البيئية التقليدية والهويات الثقافية المحلية كعنصر أساسي في الاستدامة.
ولا يمكن للمنطقة العربية أن تحقق تحوّلاً مستداماً حقيقياً في مواجهة تغيّر المناخ وفقدان التنوع البيولوجي والتلوث إلا بدمج أبعاد العدالة التوزيعية والإجرائية والاعترافية معاً في صميم سياساتها البيئية (فرج، 2026، ص. 15).
قائمة المصادر والمراجع
- البوعزاوي، السعدية. (2025). التغيرات المناخية والعدالة البيئية: قراءة قانونية في تأثيرها على المجتمع. *مجلة القانون والمجتمع، 6*(17)، 5–27. https://doi.org/10.5281/zenodo.16923109.
- برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق. (2026، 2 يوليو). من الحوار إلى الفعل: تعزيز النزاهة البيئية في العراق. https://www.undp.org/ar/iraq/blog/dialogue-action-strengthening-environmental-integrity-iraq.
- عقلان، مساعد، والسعيدي، محمد. (2026، 18 مايو). تغيّر المناخ يفاقم معاناة المهمّشين في اليمن. مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. https://carnegieendowment.org/ar/middle-east/diwan/2026/05/climate-worsens-the-distress-of-yemens-muhammasheen.
- فرج، حسن علي ميلاد. (2026). البيئة والعدالة الاجتماعية: دراسة في توزيع المخاطر البيئية على المجتمعات المهمشة. *مجلة جامعة سرت للعلوم الإنسانية، 5*(2). https://doi.org/10.37375/foej.v5i2.4222.
- مركز كارنيغي للسلام الدولي. (2026، 18 مايو). العراقيون من أصول أفريقية في البصرة في ظلّ تغيّر المناخ وغياب العدالة البيئية. https://carnegieendowment.org/ar/middle-east/research/2026/03/afro-iraqis-climate-change-and-environmental-injustice-in-basra.
- Leiden Journal of International Law. (2003). Rethinking Differential Obligations: Equity Under the Biodiversity Convention. Cambridge University Press. https://homsy-staging.cambridgecore.org.
- Nasser, A.. . (2014)حفظ الموارد الطبيعية والتنوع البيولوجي في المنطقة العربية. *دراسات عربية في العلوم البيئية*.
- Nature Reviews Biodiversity. (2026). Environmental data justice is key for developing more effective area-based conservation approaches. https://www.nature.com/articles/s44358-025-00126-w.
- UNDP. (2024). UNDP Rule of Law and Human Rights Annual Report 2024: Iraq. https://rolhr.undp.org/annualreport/2024/impact/arab-states/iraq.html.
أسئلة شائعة (FAQ)
س1: ما هي العدالة البيئية؟
ج: هي مفهوم يهدف إلى التوزيع العادل للمخاطر والفوائد البيئية، وضمان مشاركة المجتمعات المتضررة في القرارات البيئية، والاعتراف بحقوقها ومعارفها.
س2: كيف يمكن دمج العدالة البيئية في سياسات الاستدامة؟
ج: عبر ثلاثة مستويات: القانوني (تكريس مبدأ الملوّث يدفع)، والإجرائي (ضمان مشاركة المجتمعات المحلية)، والاعترافي (إدماج المعارف التقليدية).
س3: ما هو مبدأ «الملوّث يدفع»؟
ج: مبدأ قانوني يُلزم الجهات المسببة للتلوث بتحمّل تكاليف معالجة الأضرار البيئية وتعويض المتضررين.
س4: ما هو نظام «الحِمى» في الدول العربية؟
ج: نظام تقليدي لحماية الموارد الطبيعية والمراعي، منتشر في عدة دول عربية، ويُعدّ من أقدم أشكال المحميات البيئية.


