recent
أخبار ساخنة

الضغوط البيئية في المنطقة العربية: مقارنة بين ثلاثة مؤشرات

الصفحة الرئيسية

 



مقارنة بين ثلاثة مؤشرات للضغوط البيئية: كيف تكشف أوجه التفاوت البيئي في المنطقة العربية؟

يُظهر تحليل ثلاثة مؤشرات للضغوط البيئية — جودة الهواء (تركيزات SO₂ وO₃)، والوصول إلى المياه، والبصمة البيئية — أن الضغوط البيئية في المنطقة العربية ليست موزعة بشكل متساوٍ، بل تتركز بشكل منهجي في المدن الصناعية والمناطق المتأثرة بالصراعات والمناطق الريفية المهمّشة. 


الضغوط البيئية في المنطقة العربية: مقارنة بين ثلاثة مؤشرات



هذا التفاوت ليس نتيجة طبيعية، بل هو نتاج تحيّز الاستثمار في البنية التحتية نحو المراكز الحضرية، وضعف إنفاذ القوانين البيئية في المناطق الهامشية، وغياب المجتمعات المهمّشة عن عمليات صنع القرار.


 أولاً: مؤشر جودة الهواء — تركّز التلوث في المدن الصناعية ومناطق النزاع


سوريا: ارتفاع NO₂ في حلب وحمص وريفهما



يُعدّ ثاني أكسيد الكبريت (SO₂) والأوزون الأرضي (O₃) من المؤشرات الرئيسية لتلوث الهواء، وتكشف بيانات سوريا والعراق عن تفاوتات مكانية حادة. 

في سوريا، أظهرت بيانات الاستشعار عن بعد ارتفاعاً مستمراً في تركيزات NO₂ في حلب وريفها، reflecting تأثير التحضر والأنشطة الصناعية؛ 

كما سُجّلت مستويات مرتفعة في حمص وحماة قرب المصافي والمناطق الصناعية؛ وظهرت قمم محلية لتركيزات NO₂ في دير الزور والحسكة بسبب عمليات إنتاج النفط، وهو ما يتوافق مع «تركّز عمليات التكرير في المناطق المتأثرة بالنزاع» (Alkhaled et al., 2025). 

في المقابل، حافظت المناطق الغربية والجنوبية على قيم منخفضة لمؤشر UVAI بفضل الرياح البحرية والحواجز الطبوغرافية (Alkhaled et al., 2025). 

وخلال جائحة 2020، انخفض التلوث بشكل ملحوظ في حمص وطرطوس والبادية، لكنه عاد للارتفاع بعد عام 2021 مع استئناف النشاط الاقتصادي في حلب وريف حمص (Alkhaled et al., 2025).


اقرأ ايضاً عمالة المرأة - ما هو دور المرأة في الحفاظ على البيئة؟


 العراق: كركوك تسجّل أعلى تركيزات O₃ وSO₂ وطنياً


في العراق، سجّلت محافظة كركوك أعلى تركيزات O₃ وSO₂ على مستوى البلاد في عام 2024. فقد بلغ تركيز O₃ في مستشفى كركوك العام 1.807 جزء في المليون، وهو الأعلى وطنياً، بينما سجّل مستشفى كركوك العام متوسطاً سنوياً لـ SO₂ بلغ 0.235 جزء في المليون.

في حين لم يتجاوز الحد الأدنى في بابل 0.002 جزء في المليون — أي فرق يتجاوز 100 ضعف بين المحافظتين (الفرات نیوز، 2025). 

وأكّدت دراسة وطنية باستخدام بيانات Sentinel-5P استمرار ارتفاع تركيزات CO وNO₂ في المراكز الحضرية مثل بغداد والبصرة (درجة معيارية > 6) بسبب التحضر وحركة المرور والأنشطة الصناعية، بينما بلغت تركيزات PM2.5 في البصرة والناصرية 26 ضعف القيمة الإرشادية السنوية لمنظمة الصحة العالمية (Onojeghuo et al., 2025). 

في المقابل، سجّلت المناطق الريفية والجبلية في الغرب والشمال الشرقي تعرضاً منخفضاً بشكل ملحوظ (درجة التلوث المجمّعة < 3.15)، وهو فرق إقليمي كبير (Onojeghuo et al., 2025).



ويشير هذا التركّز المكاني للتلوث إلى أن التكاليف البيئية للأنشطة الصناعية والتحضر تُنقل بشكل غير متناسب إلى سكان مناطق محددة — كركوك والبصرة وحلب — الذين غالباً ما يفتقرون إلى النفوذ السياسي والاقتصادي الكافي لحماية بيئتهم.


ثانياً: مؤشر الوصول إلى المياه — حرمان منهجي للمجتمعات الريفية والمهمّشة


 سوريا: 94% من سكان دير الزور يبلّغون عن مشاكل مياه حادة


يكشف مؤشر معدل الوصول إلى مياه الشرب المأمونة وحالة أنظمة الإمداد بالمياه عن تفاوتات عميقة بين الريف والحضر وبين المحافظات في سوريا. 

وفق تقرير تقييم الاحتياجات الإنسانية في سوريا لعام 2025، بلغت نسبة الإبلاغ عن مشاكل المياه في دير الزور 94%، وهي الأعلى وطنياً؛ تلتها حلب (78%)، وحمص (75%)، والحسكة (72%)، وإدلب (71%) (SINA، 2025، ص. 12–13). 

وفيما يتعلق بمأمونية مياه الشرب، وصف 78% من المستجيبين في حلب الحصول على مياه شرب مأمونة بأنه مشكلة «خطيرة» أو «حرجة»، مقابل 75% في حمص، و73% في الحسكة، و69% في دير الزور (SINA، 2025، ص. 13). 

وأفاد 70% من المستجيبين بتدهور وضع المياه خلال الثلاثين يوماً السابقة، مع وجود نحو 4.4 مليون شخص في حالة «حاجة طارئة أو متوسطة» لمياه الشرب المأمونة (SINA، 2025، ص. 13).


كما يعكس التحول في مصادر المياه تفاقم عدم المساواة. فقبل النزاع، كان 80% و86% و78% من الأسر في الرقة واللاذقية ودير الزور على التوالي تستخدم مياه الشبكة العامة؛ 

أما اليوم، فقد انخفضت هذه النسب إلى 35% و31% و28% على التوالي (SINA، 2025، ص. 13). 

وحلّت محلّها صهاريج المياه والآبار الخاصة — ففي إدلب، يعتمد 30% من الأسر على الصهاريج مقابل 5.1% فقط قبل النزاع؛ وفي حماة ارتفعت النسبة من 2% إلى 27% (SINA، 2025، ص. 13). 

وهذه المصادر البديلة ليست أعلى تكلفة فحسب، بل غالباً ما تكون غير معالجة، مما يزيد مخاطر الأمراض المنقولة بالمياه (ODI, 2024).


العراق: نزوح مناخي وتقنين للمياه في الجنوب والشمال



في العراق، يشير ملف المناصرة الأممي لعام 2026 إلى أن الأسر في محافظات الجنوب — البصرة وذي قار وميسان والمثنى — «تكافح للعثور على مياه مأمونة، مما أجبر آلاف الأشخاص على النزوح»؛ 

كما أن نهر الغراف، الذي يغذّي أكثر من 4 ملايين شخص، يتقلص بسرعة؛ ومستويات المياه في سدود الموصل ودهوك وغيرها عند حدود حرجة، مع تطبيق تقنين المياه في نينوى وأربيل ودهوك وكركوك والسليمانية (United Nations in Iraq, 2026). 

وحتى سبتمبر 2025، بلغ عدد الأسر النازحة لأسباب مناخية 31,001 أسرة (186,006 فرداً)، 63% منها انتقلت من الريف إلى المدينة (United Nations in Iraq, 2026). 

وفي عام 2025، مُنع زراعة أكثر من 4 ملايين هكتار من الأراضي الصيفية والشتوية (United Nations in Iraq, 2026).



مصر: 40% من سكان كفر الشيخ يفتقرون إلى مياه الشرب


وفي مصر، وثّق تقرير المقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان في مجال المياه الحرمان المنهجي للمجتمعات الريفية والمهمّشة: 
  1. في محافظة كفر الشيخ، يفتقر نحو 40% من السكان إلى مياه الشرب، و60% إلى خدمات الصرف الصحي المناسبة، ويُعزى نحو 30% من المشاكل الصحية إلى تلوث المياه (A/HRC/63/34/Add.1، 2025، ص. 12). 
  2. وفي الفيوم، أظهرت الدراسات ارتفاع تركيزات الملوثات الناشئة بسبب الأنشطة الزراعية؛ 
  3. وفي سوهاج، أبلغت عدة قرى عن انقطاع الخدمات. 
  4. وفي أسوان، سُجّلت زيادة في أمراض الجهاز الهضمي الحادة في قرى مثل أبو الرش البحري (A/HRC/63/34/Add.1، 2025، ص. 10–11).

مناظر بيئية متباينة في المنطقة العربية - التلوث الصناعي مقابل الاستدامة والعدالة البيئية



وتكشف هذه البيانات نمطاً واضحاً: تتركّز أزمة المياه في المجتمعات الريفية والمهمّشة والمتأثرة بالنزاع، وهي المجتمعات الأقل تمثيلاً في الاستثمار في البنية التحتية وصنع القرار السياسي.



 ثالثاً: مؤشر البصمة البيئية — أنماط الاستهلاك تحجب عدم المساواة داخل المنطقة



تُعدّ البصمة البيئية (Ecological Footprint) مؤشراً شاملاً يقيس الطلب البشري على الموارد الطبيعية مقابل قدرة النظم البيئية على التجدد.



 فجوة 5 إلى 7 أضعاف بين دول الخليج والمغرب العربي


على مستوى الدول العربية، تُظهر بيانات شبكة البصمة العالمية لعام 2022 توزيعاً غير متكافئ للبصمة البيئية. فقد بلغت البصمة البيئية للفرد في قطر 13.14 هكتار عالمي، منها 11.83 هكتار للبصمة الكربونية؛ والبحرين 8.17 هكتار؛ والكويت 7.90 هكتار؛ وعُمان 6.29 هكتار (شبكة البصمة العالمية، 2022). 

في المقابل، لم تتجاوز البصمة البيئية للفرد في المغرب 1.75 هكتار، والأردن 1.76 هكتار، والعراق 2.34 هكتار، والجزائر 2.34 هكتار. 

ويصل الفارق بين دول الخليج المنتجة للنفط ودول المغرب العربي والمشرق إلى 5 إلى 7 أضعاف (شبكة البصمة العالمية، 2022).


البصمة الكربونية تشكّل 84% إلى 99% من البصمة البيئية الخليجية


ويكمن الجذر البنيوي لهذا التفاوت في البصمة الكربونية. ففي دول مجلس التعاون الخليجي، تشكّل البصمة الكربونية ما بين 84% و99% من إجمالي البصمة البيئية (Akpanke et al., 2026). 

وهذا يعني أن البصمة البيئية المرتفعة في دول الخليج مدفوعة أساساً بإنتاج الوقود الأحفوري واستهلاكه، وليس بالزراعة أو استخدام الأراضي. 

وعلى النقيض، فإن البصمة الكربونية في المغرب (0.66 هكتار) والأردن (0.98 هكتار) أقل نسبياً، وتأتي بصمتهما البيئية بشكل أكبر من الأراضي الزراعية والرعوية (شبكة البصمة العالمية، 2022).


ويكشف هذا التباين عن عدم مساواة مزدوجة في الضغوط البيئية العربية: 
  1. فمن جهة، تتجاوز البصمة البيئية للفرد في دول الخليج المتوسط الإقليمي بكثير، وأنماط استهلاكها المرتفعة مبنية على تصدير الوقود الأحفوري؛ 
  2. ومن جهة أخرى، داخل دول مثل العراق وسوريا ومصر، يتوزع العبء البيئي داخلياً بشكل غير عادل — فالمدن الصناعية والمجتمعات الريفية المهمّشة تتحمّل ضغوطاً مزدوجة من تلوث الهواء وشح المياه، بينما تبقى المراكز الحضرية الغنية بمعزل نسبي عن هذه الآثار.


الخاتمة: نحو عدالة بيئية في صميم سياسات التنمية المستدامة


يشير تحليل المؤشرات الثلاثة بشكل متسق إلى أن الضغوط البيئية في المنطقة العربية ليست موزعة بالتساوي، بل تتركّز بشكل منهجي على طول محاور الريف-الحضر، والصناعي-الزراعي، والمركز-الأطراف. فتركيز SO₂ في كركوك يتجاوز نظيره في بابل بأكثر من 100 ضعف؛ و94% من سكان دير الزور يبلّغون عن مشاكل مياه حادة مقابل 40% في اللاذقية؛ 

والبصمة البيئية للفرد في قطر تبلغ 7.5 أضعاف نظيرتها في المغرب. وتقف خلف هذه الفجوات تحيّزات الاستثمار في البنية التحتية نحو المدن، وضعف إنفاذ التشريعات البيئية في المناطق الهامشية، وغياب المجتمعات المهمّشة اجتماعياً وسياسياً عن صنع القرار. 

وما لم تضع سياسات التنمية المستدامة العدالة البيئية — أي التوزيع العادل للأعباء البيئية، والمشاركة الفعلية للمجتمعات المهمّشة، والاعتراف بمعارفها واحتياجاتها — في صميم أولوياتها، فإن هذه الفجوات لن تزداد إلا اتساعاً مع تفاقم تغيّر المناخ وأزمة المياه (فرج، 2026، ص. 15).



قائمة المصادر.

  1. الفرات نیوز. (2025، 30 نوفمبر). محافظة عراقية تسجل أعلى مستويات غاز الأوزون وأوكسيد الكبريت. https://alforatnews.iq
  2. شبكة البصمة العالمية. (2022). البصمة البيئية والقدرة الحيوية في الدول العربية. في *تقرير البصمة البيئية للدول العربية*. http://www.abhatoo.net.ma
  3. فرج، حسن علي ميلاد. (2026). البيئة والعدالة الاجتماعية: دراسة في توزيع المخاطر البيئية على المجتمعات المهمشة. *مجلة جامعة سرت للعلوم الإنسانية، 5*(2). https://doi.org/10.37375/foej.v5i2.4222
  4. A/HRC/63/34/Add.1. (2025). *تقرير المقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان في مجال مياه الشرب وخدمات الصرف الصحي: زيارة إلى مصر*. مجلس حقوق الإنسان، الجمعية العامة للأمم المتحدة. https://digitallibrary.un.org/record/4123677
  5. Akpanke, T. A., Deka, A., Ozdeser, H., & Seraj, M. (2026). Ecological footprint convergence in hydrocarbon-based economies: Quantile and Fourier evidence from GCC countries. *Sustainability, 18*(16), 1–21. https://doi.org/10.3390/su18168051
  6. Alkhaled, A., et al. (2025). Spatiotemporal variability of atmospheric pollutants in Syria: A multi-year assessment using Sentinel-5P data. *ScienceDirect*. https://www.sciencedirect.com/org/science/article/pii/S1260587525000301
  7. ODI. (2024). *Global climate risks to Syria's WASH*. Overseas Development Institute. https://media.odi.org/documents/ODI_Global_Climate_risks_to_Syrias_WASH.pdf
  8. Onojeghuo, A., et al. (2025). Air pollution exposure and hotspots of CO, NO₂, SO₂, PM2.5, and aerosols in Iraq. *Environmental Monitoring and Assessment, 197*(11), 1226. https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/41115962/
  9. SINA . (2025)*تقرير تقييم الاحتياجات الإنسانية في سوريا*. https://reliefweb.int/attachments/5fdc3c8b-ea8e-308b-881a-a3074ae8bab5/SINA_Arabic_Final.pdf
  10. United Nations in Iraq. (2026، 20 يناير). Advocacy note: Water scarcity and climate risks in Iraq. https://iraq.un.org/ku/node/308599

google-playkhamsatmostaqltradentX